مصطفى بن سليمان بالي زاده الحنفي
203
شرح فصوص الحكم
وملكوا نور الحق فلا دليل عندهم والعالم كله نهار عندهم ( وفي العسس ) وهم السالكون الذين لم يصلوا درجة التحقيق ولم يخلصوا عن ظلمة طبيعتهم وهم يتصرفون في ظلمة طبيعتهم بالنور الإلهي كما يتصرف العسس في ظلمة الليالي بالنار فكما أن العسس تابع في التصرف بالملوك كذلك السالكون المتوسطون تابعون في تصرف طبيعتهم الظلمانية بالكمل والمرشدين هم ملوك الطريقة وسلاطين الحقيقة ( فإذا فهمت مقالتي * تعلم بأنك مبتئس ) أي فقير ليس لك شيء من العلم بالحقائق فدعوتك غني بالعلم كدعوة الفقير غني بالمال وهذا دعوة من الشيخ رضي اللّه عنه في تحصيل العلم من طريق العقل إلى طريق الكشف ( لو كان ) موسى عليه السلام ( يطلب غير ذا ) أي غير النار ( لرآه ) أي لرأى الحق ( فيه ) أي مطلوبة أي مطلوب كان ( وما نكس ) الحق في إعطاء مطلوب كل طالب إذا توجه إليه فتجلى له الحق في صورة مطلوبه وهو منزه عن الصورة والصورة تنشأ عن بصر الرائي ولما فرغ عن بيان الحقيقة العيسوية وما يتعلق بها شرع في بيان حكمته وتحقيق الآيات الواردة في حقه عليه السلام فقال : ( وأما هذه الكلمة العيسوية لما قام لها ) أي الكلمة العيسوية في اليوم الآخر ( الحق في مقام حتى نعلم ) بالمتكلم ( ويعلم ) بالغائب ( استفهمها ) أي استفهم الحق كلمة عيسى عليه السلام ( عما نسب إليها ) أي إلى كلمة عيسى عليه السلام وإلى أمها من الألوهية حتى يعلم الحق ( هل هو ) أي المنسوب إليها وهو الألوهية ( حق ) واقع في نفس الأمر ( أم لا مع علمه الأول بهل وقع ذلك الأمر أم لا ) لكنه استفهم ليظهر علمه الأول عن صورة عيسى عليه السلام وإنما لم يقل عما نسب إليهما مع أن الألوهية منسوبة إليهما إذ لا يقع دعوى الألوهية عن المرأة لذلك استفهم عيسى عليه السلام عن الألوهية المنسوبة إلى أمه دون أمه فجمعها في الاستفهام ( فقال له ) أي فقال اللّه لعيسى عليه السلام : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ [ المائدة : 116 ] يعني أأنت نسبت الألوهية إليك وأمرت بالناس باتخاذكما آلهين من دون اللّه أم الناس نسبوا الألوهية واتخذوكما آلهين من عند أنفسهم ( فلا بد في الأدب من الجواب للمستفهم ) أي لا بد في الأدب أن يجيب المستفهم الذي استفهمه جوابا موافقا لسؤاله ( لأنه لما تجلى له ) الحق ( في هذا المقام ) وهو مقام التفرقة وهو ضمير الخطاب ( و ) في ( هذه الصورة ) وهي صورة الاستفهام الإنكاري ( اقتضت الحكمة الجواب في التفرقة بعين الجمع ) أي اقتضت الحكمة الجواب الجامع لمقام الفرق والجمع ( فقال وقدم التنزيه سبحانك فحدّد بالكاف التي تقتضي المواجهة والخطاب ) فميز أوّلا بين العبودية والألوهية وهو التفرقة فخاطبه في الجواب كما خاطبه في السؤال ( ما يكون لي من حيث أنا لنفسي ) أي من حيث عبوديتي وآنيتي ( دونك ) من دون ربوبيتك وهويتك ( أن أقول ما ليس لي بحق أي ما تقتضيه هويتي ولا ذاتي ) فإن مقتضى ذاتي العبودية لا الألوهية فلا أكون أقول ما لا تقتضيه ذاتي ( أن كنت قلته ) أي ما ليس لي بحق وهو الألوهية